عادل عبد الرحمن البدري

61

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام

علي ( ع ) بتشكيلها منذ زمن بعيد كما يتحدّث علماء السياسة ضمن حديثهم عن نظرية الدولة الحديثة التي رسمتها وحدّدت مهماتها . وتتبع تفصيلات هذه الرسالة يبيّن لنا عمق الأفكار السياسية التي كان يحملها علي ( ع ) من أجل بناء سياسي ومؤسساتي كامل ينهض بالدولة التي يربو إلى تحقيقها ، فإنّ الدولة التي يحلم بها المنظّرون السياسيون وأصحاب الفكر السياسي لم تفت هذه الرسالة أو تتخطّاها « 1 » . وما قيل عن تاريخ الأفكار السياسية من أفلاطون إلى العصور الحديثة فإنّها لا تخلو من خيال سياسي ، والملاحظ حصول فاصلة كبيرة بين الواقع السياسي وهذه الأفكار المطروحة ، فميلاد الأفكار السياسية لدى الإنسان تعني هندسة المجتمع وفق تنظيم وبرمجة ليحيا الإنسان ضمن حياة مثالية منظمة . أمّا مدى واقعية هذه الأفكار واستجابتها للتطبيق العملي فتبدو غير ملموسة وغير واضحة . وأمّا ما روي من أفكار عليّ ( ع ) أو الأفكار السياسية لديه فهي الواقع السياسي وكأنّه ( ع ) كان شاهداً لواقعنا السياسي الحديث الذي نعيش يومياته ومفرداته ، فلم تكن مقولة علي ( ع ) للأشتر : « إنّي قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور » خيالًا أو تصوّراً غير واقعي ، وأنّما رؤية سياسية تقدّم خبرة التاريخ بين يدي رجال السياسة ، فتاريخ مصر جسر عبرت عليه حضارات وثقافات وأديان وفلسفات قد امتدت من وإلى آلاف السنين ، انتهت بها إلى الفتح الإسلامي الذي لم يستطع صهر التاريخ السياسي لمصر وحذفه من ذهن المواطن المصري ، بل كانت ممارسات وفتن وسياسات خاطئة دفعت المصري إلى أن يتساءل ويتوقّف ليرى ما الذي يقدّمه الدين والثقافة الجديدة التي عبرت إلى نهر النيل من تخوم الجزيرة العربية . وهنا تساؤل مشروع له ما يبرره وضعه عليّ ( ع ) في ذاكرة الحاكم السياسي الذي يجب عليه أن يقلّب أوراق تاريخ البلد الذي يحكمه ويتعامل معه ، وبالتالي أهمية علم التاريخ وضرورته السياسية والعلمية .

--> ( 1 ) ويشار إلى نظرية الدولة في بحث لاحق .